محمد كرد علي
168
خطط الشام
لا يتجاسر أحد على أن يقطع الطريق في جميع أعماله ، وله في باب تأديب العصاة وسلبة الطرق حكايات أثرت عنه . الحكم على الدور الأول للعباسيين : مضت اثنتان وعشرون ومائة سنة على الشام بعد انقراض دولة بني أمية ، وهو لا يخلو من فتن وتسمع فيها اسم السفياني والأموي العثماني أو غيرهم من أرباب العصبيات من العرب ، قيس ويمن . فتن أهلية يثور بركانها ، ثم يهمد إلى حين ، ونزّاع إلى الملك والسلطان ، ولم يسد السلام إلا على عهد الرشيد والمأمون وكانت الفتن في أيامهما لا شأن لها لأنهما كان يوليان على الشام أقدر رجالهما . والشاميون يرضيهم من الخلفاء حسن سياستهم ، والنظر بعطف على مصالحهم . ولقد كانت الشام أوائل الفتح العباسي تتناوبها يدا عبد اللّه بن علي وصالح بن علي العباسيين وأولادهما ، ثم أخذ عقلاء الخلفاء منهم يولون أولادهم وإخوتهم شؤونها . فقد رأينا المهدي ولى ابنه هارون الرشيد أيام كونه وليا للعهد ولاية قنسرين أو شمالي الشام ، ورأينا الرشيد ولى أخاه إبراهيم بن المهدي دمشق ، ورأينا الرشيد ندب أحد عظام رجاله يحيى البرمكي إلى دمشق ، كما رأينا ابنه عهد إلى طاهر بن الحسين بولاية مصر والشام ، وسوّغه خراج مصر سنة وهو ثلاثة آلاف ألف دينار ففرقه على الناس وهو على المنبر ، ولم ينزل منه إلا وقد اقترض عشرة آلاف دينار ليعطيها لرجل جاء متأخرا والمصلحة تقتضي برّه . وقد رأينا حسن أثر السياسية التي اتبعها إبراهيم بن المهدي في وضع التوازن بين القيسيين واليمانيين في الشام ، فدل على عقل راجح ، وإرادة هاشمية قوية ، وكان بسياسته حائلا دون المشاغبات الباطلة ، ونشر الأمن مدة ست سنين ، وكانت الشام من قبل تأجج فيها نيران العصبيات الجاهلية . ولكن المتوكل الخليفة المحمق ، أوسع مجال الخلف بينه وبين رعيته ، وأكبر أمر فتنة حدثت في دمشق ، فأباحها لعامله التركي ، فأطل الشعب في بغداد دمه لخرقه ، وهلك عامله قبل أن يباشر بجبروته فتكه